13140909_10207803633720238_1869465381_n

ها هي تغلق باب الغرفة بعد ان نام جميع من في المنزل و تستلقي بجانب جدتها التي انتظرتها طوال اليوم كي تبدأ مسيرة الحكاوي التي لا ينهيها غير غفيان العيون, فتمر اللحظات عليهم غير مبالية لأصوات عقارب الساعة .. كم يعشق هذا الممر بمنزله, الذي تكاد ان تختتفي جدرانه من البراويز و الصور, هذا االممر الذي عنده تقف اللحظات و تعجز الانشغالات عن الظهور في باله .. يوم الاربعاء قبل غروب الشمس بدقائق, تأتي لحظتها المنتظرة, ففي هذا الميعاد من اليوم تترك ايا كان ما في يدها لتسرع الي النافذة فتملأ عينيها بالانتيكات المعروضة في العربة القديمة تلك التي تمر في هذا الميعاد من كل اربعاء .. ففي كل اسبوع تتغير القطع و تبهرها اكثر, اما في هذا المنزل,  ما اجمل الساعة ال8 صباحا,  ينزل كل الاولاد الي مدارسهم لتاخذ الام اول رشفة قهوة, فهذه لحظتها التي تنفرد فيها بنفسها كل يوم, و في هذا القطار,  تاتي اللحظة التي يخفق فيها قلبه دون دراية عندما ينظر الي البيت الذي كلما مر عليه رأي شريط طفولته بالكامل و سمع اصواتا كان دائما يشتاق لها .. اما هنا في هذا المطعم المغلق, هي تنتظر اللحظة التي تنهي فيها هذا اليوم الذي طال عن اللازم لتخرج و تنظر الي الي السماء كي تلقي نظرتها المعتادة الي النجوم فتتطمئن ان كل شيء علي ما يرام, و في هذا اليوم كل  عام تأتي اللحظة التي تذهب فيها اليه حاملة حمل عاما بأكمله و تخرج بعد ان تقرأ له الفاتحة مطمئنة غير مبالية لما دخلت به من اثقال, اما الان فهو يخطو برجليه علي سلم الطائرة .. كم انتظر هذه اللحظة التي منذ الصغر رسم لها اكثر من سيناريو, اما بين جدران هذا المشفي يكاد يبتلع الايات القرانية.. لا يريد غير اللحظة التي  تحرك فيها  اطراف اصابعها و تنظر له, و في احدي المدن الصغيرة, وقف تساقط المطر كي تفرض رائحته نفسها علي المكان ما اجمل هذه اللحظات في الشتاء, و علي سجادة الصلاة هذه لا يريدان ان يرفعا جبينهما .. ف طالما شهدت هذه السجادة دموع الحزن .. فالليلة من حقها ان تاخذ نصيبا من دموع الفرح … و في نهاية يوم شاق طويل ها هي تعود لنفسها و تنظر في المراة راضية كل الرضا عن ما تراه امامها , فهذا اكثر وقت تشبه فيه نفسها.. تضع رائحتها المفضلة و تقف في شرفة غرفتها مستنشقة رائحة الهواء التي تنتظرها منذ ان تركت منزلها.. و في  عزبة جده القديمة ها هو  يري ما كان  في مخيلته يتحقق امام عينه .. الكل يعمل بجد, فالمسرح يجب ان يكون جاهزا قبل وصول المدعوين, كانت في اعين الناس خرابة, اما هو لم يختر مكان غيرها ليشهد هذا الحدث منذ ان كان صغيرا و ها هي اللحظة تقترب .. “علي بالي …. علي بالي ابن بلدي علي بالي”  يرددها  و هو يراقص اطراف اصابعه باحدي المقاعد علي  حافة نهر بفرنسا, كم هي لحظة جميلة في عين الجميع, و لكن من بداخلها يتمني لو ترجع به اللحظات الي مكان اخر..  و في مكان بعيد, اليوم انتهي و البرد يشتد, تختبيء في احدي الحارات الضيقة .. ها هي اللحظة التي تتمناها طوال اليوم .. فتوقف عربة الحلوي و تستند علي احدي الارصفة و تري ما حصدته طوال اليوم .. و  في اللحظة التي ارخي فيها يده ليضع الميكروفون, اخذ نفسا عميقا تصاحبه نظرة لكل الجالسين و هم يسفقون له بحرارة حتي اختفي الجميع تحت دموع الفرح التي ملأت عينه. ها هي الحياة تمر و ما يدور في شريطها ما هو الا “لحظات”  نمر بها ما بين الرضا و السخط .. فالبعض يدركها جيدا و البعض الاخر يتغاضي عنها تماما منشغلا بلحظات قادمة .. غير مدركا ان ما هو عليه الان يكاد يكون هو الجزء الاهم فيما سياتي من ما طال انتظاره. فمهما شهدت الاقلام من لحظات .. لن تعطيها قيمتها , و ليس من العدل التام ان يوصف شعورا علي ورق .. فمهما كانت قيمة الكلمة .. سيبقي الشعور بداخلنا لا وصف له. فلنترك ما نحمله لوهنة و لننعم بكل ما هو بين يدينا قبل ان يتحول اثرا تمر عليه الايام .. و لندرك ان الوقت الذي ننتظر فيه هو ايضا مجموعة من اللحظات , لنملأ السماء بعبارات لا يعرفها سوانا و لننحت التواريخ علي جزوع الشجر و لنتمايل مع ما تنصت اليه اذاننا و كفانا بخلا علي العالم ببصماتنا, و لنعش..